

المبادرة تأتي انطلاقاً من الحديث النبوي الشريف: «إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق»
بدرية عيتاني: المنهج يركّز على رباعي: الصدق.. المثابرة.. التفكّر.. التواضع
جميل الإمام: يستغرق تدريس «الخُلق الواحد» بين 4 إلى 6 أسابيع دراسية
ارتأت أكاديمية قطر - الوكرة، التابعة للتعليم ما قبل الجامعي في مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع، ضرورة ترسيخ المبادئ الأخلاقية المنبثقة عن الدين الإسلامي والثقافة العربية لدى طلابها، بحيث تحدث تأثيراً إيجابياً عميقاً في سلوكيات الطلاب، وتسهم في تنشئة جيل جديد من الشباب الذين يتحلون بالصفات الحميدة التي حثّنا عليها الدين الإسلامي، ومن هنا تبلورت لدى الأكاديمية فكرة فريدة من نوعها لتأسيس منهج «أخلاقنا»، الذي يتم تدريسه باللغتين العربية والإنجليزية للطلاب من مرحلة الروضة وحتى الصف الثاني عشر. وتأتي المبادرة انطلاقاً من الحديث النبوي الشريف لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: «إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق»، إشارة إلى أن الأخلاق ركيزة أساسية في الدين الإسلامي، فهي أهم ما يميّز الإنسان، كما أن الأخلاق والعلم هما وجهان لعملة واحدة، فما قيمة أن يحمل الفرد أعلى المراتب العلمية دون أن يتحلّى بحسن الخلق؟
جدولة المادة ضمن
الدروس اليومية
توضح السيدة بدرية عيتاني، مدير عام أكاديمية قطر - الوكرة، أن إعداد هذا المنهج الدراسي جاء بمبادرة من المدرسة، وذلك في إطار برامجها السلوكية وبرامج تطوير الشخصية، لكن الأكاديمية أدركت ضرورة أن تكون هذه البرامج منسجمة مع مبادئنا المجتمعية والدينية والثقافية.
وقالت عيتاني: «كانت لدينا خبرات كافية لبناء برنامج خاص بنا، وبعد الكثير من البحث والاطلاع، قررنا تأسيس لجنة داخل المدرسة شملت أعضاء من إدارة المدرسة وطاقمها وأولياء الأمور، وبدأنا بوضع الأطر الأساسية وتصميم هيكل البرنامج، بعد عام، تمكّنّا من إطلاق البرنامج بشكل رسمي».
وأشارت إلى أن فكرة إطلاق هذا المنهج جاءت بالتزامن مع إعلان صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر رئيس مجلس إدارة مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع عن جائزة «أخلاقنا» لأول مرة، وكان هذا البرنامج بمثابة دافع كبير في حثّ الطلاب على المشاركة في جائزة «براعم الأخلاق» التابعة لجائزة «أخلاقنا»، التي تم إطلاقها عام 2019 للطلاب من عمر 7 إلى 14 عاماً، وحاز اثنان من طلبة أكاديمية قطر - الوكرة على جائزة براعم الأخلاق في دورتها الأخيرة. وقالت عيتاني: «حرصنا على جدولة مادة الأخلاق كمنهج ضمن الدروس اليومية؛ لنضمن تخصيص الوقت الكافي لتدريسها، وهذا نابع من تقديرنا للأخلاق وأهميتها في برامجنا التعليمية الرئيسية». تابعت: «من الجوانب الرئيسية للبرنامج هو تعزيز دور الطلاب في قيادة عمليتهم التعليمية، واعتماده على المبادرات التي يقودها الطلاب، وارتباطه الوثيق بتجاربهم الحياتية وثقافتهم، بحيث نساعدهم على تكوين شخصية متجذرة بعمق في الأخلاق الحميدة، وهي من اللبنات الأساسية في تطوير شخصية الفرد، وهذا نابع من إيماننا الراسخ بأن التعليم لا يعتمد على المعلّم فقط».
وأضافت عيتاني أن «معلّمي جميع المواد يعملون على تضمين الأخلاق في المواد التي يدرسونها، وهناك تعاون بين جميع المدرسين في الأكاديمية لتحقيق أكبر قدر من الفائدة»، موضحة: «نحن لا نُدرس أي منهج بمعزل عن الأخلاق، فالأخلاق هي أساس كل المناهج لدينا». ونوهت بأن منهج «أخلاقنا» يركز على تدريس أربعة أخلاق: الصدق، المثابرة، التفكّر، والتواضع. وقد راعت أكاديمية قطر - الوكرة أن تكون دراسة هذه الأخلاق تراكمية، بحيث يتعرّف الطالب مثلاً على مفهوم خلق معين مثل «الصدق» في مرحلة الروضة، ويتعمق في دراسة هذا الخلق مع تقدمه في المراحل الدراسية حتى المرحلة الثانوية؛ لضمان عدم التكرار في المادة التي يتم تدريسها، واستكشاف كل مبدأ أخلاقي بصورة أكثر عمقاً.
تغيير السلوك للأفضل
بدوره، أوضح جميل الإمام، معلّم مادة الأخلاق في أكاديمية قطر - الوكرة، أن جميع المعلّمين يسعون إلى تغيير سلوك الطلاب إلى الأفضل، لكن جهودهم كانت مبعثرة، ومن حسنات هذا البرنامج أن يوحّد جهود كل المعلمين على أخلاق محددة وبمراحل محددة، وبذلك تكون ثمرة الاستفادة أكبر، مما يمكّن من بناء السلوكيات الإيجابية لدى الطلاب.
وقال الإمام: «قد يستغرق تدريس الخلق الواحد ما يقارب من 4 إلى 6 أسابيع دراسية، وفي حصص مختلفة، يتخللها أنشطة تفاعلية وعملية مستوحاة من قصص من التاريخ الإسلامي والسيرة النبوية ومرتبطة بالتجارب الحياتية للطلاب، لضمان غرس الأخلاق في نفوسهم بشكل عملي».
أضاف: «يجد الطلاب متعة كبيرة جداً في حصة الأخلاق، بما فيها من أنشطة، وبعض القصص والمواقف الحياتية، بالإضافة إلى أن المنهج يراعي المرحلة العمرية من حيث الهدف والمحور والأنشطة التي يتم التطرّق إليها، ومن الجوانب الإيجابية التي لمسناها أن درس الأخلاق انعكس إيجابياً على أداء الطلاب ومشاركتهم في الحصص الدراسية الأخرى».
نقل المبادئ عبر الأجيال
من جهتها، أشارت زهرة سناء لساق، رئيسة الرعاية للمرحلة الابتدائية بأكاديمية قطر - الوكرة، إلى أن دراسة الأخلاق باتت أكثر أهمية في عالم اليوم سريع التطوّر، لا سيما مع التغييرات في فرضتها جائحة «كوفيد - 19» وأهمية تعزيز التدابير الصحية الوقائية من تبني القيم والأخلاق المجتمعية.
وقالت لساق: «إن غرس هذه المبادئ الأساسية في نفوس الطلاب اليوم سيسهم في نقلها للأجيال القادمة، والحفاظ على الموروثات الثقافية الإسلامية في البلاد، كما ستعزز اتصال الطلاب بمحيطهم، وممارسة هذه القيم الإيجابية في حياتهم اليومية وتفاعلاتهم الاجتماعية سواء في المنزل أو المدرسة وكل مكان يتواجدون فيه»، وأضافت: «يتيح منهج «أخلاقنا» أمام الطلاب الفرصة المناسبة ليكونوا سفراء للأخلاق الحسنة في بلدهم وفي العالم بأسره».
تأثير إيجابي
كما أشاد أولياء الأمور بأهمية هذا المنهج وآثاره الإيجابية، فقد قالت الدكتورة خلود سلطان الكواري، ولي أمر الطالبة مريم فيصل آل ثاني، الطالبة في الصف السادس بأكاديمية قطر - الوكرة: إنها شهدت التأثير الإيجابي الذي أحدثه هذا المنهج في سلوكيات ابنتها وممارساتها وتعاملاتها مع الآخرين من حولها، قائلة: «نقدّر جهود أكاديمية قطر - الوكرة في طرح هذه المبادرة المهمة التي تسهم في بناء الجيل القادم من الشباب وبُناة الوطن، ونحن بحاجة لمثل هذه المبادرات التي تركّز على قيمنا الإسلامية، وتستشهد بالقصص المأثورة من التاريخ الإسلامي وخلق رسولنا الكريم، والتي يتخذها الطلاب قدوة لهم، وهذا ما لمسته في ابنتي».
أضافت: «تحرص ابنتي على تطبيق ما تتعلمه في حياتها اليومية، وتشارك القصص التي تدرسها مع إخوتها ليزدادوا فائدة، خاصة في مواقف الخلافات التي يتعرضون لها كأطفال، وهي كلها جوانب في غاية الأهمية؛ لأنها تعزز قيمة الدين والأخلاق؛ فالتربية تأتي قبل التعليم».