

لم يكن خروج منتخبنا الوطني من نصف نهائي «خليجي 27» أمام شقيقه السعودي بركلات الترجيح (2-3)، بعد انتهاء الوقتين الأصلي والإضافي بالتعادل السلبي، مجرد خسارة مباراة، بل محطة تستوجب مراجعة فنية جادة، خصوصاً أن العنابي يمتلك من الخبرة والإمكانات ما يؤهله لتقديم صورة هجومية أفضل من تلك التي ظهر بها.
ولا يمكن اختزال الخروج في ركلات الترجيح، فهي بطبيعتها تحتمل النجاح والإخفاق، وإنما ينبغي البحث عما سبقها من قرارات فنية، وطريقة إدارة المباراة، ومدى قدرة الجهاز الفني على استثمار أوراقه الهجومية لتحقيق الفوز قبل الوصول إلى تلك الركلات.
الحذر الدفاعي المبالغ فيه
بدا واضحاً أن المدرب الإسباني جولين لوبيتيغي أعطى الأولوية لتأمين المناطق الخلفية، وتقليص المساحات أمام المنتخب السعودي، على حساب المبادرة الهجومية وصناعة الفرص.
ومن الناحية الفنية، لا يُعد التنظيم الدفاعي عيباً، خصوصاً في المباريات الإقصائية، لكن المشكلة تظهر عندما يتحول الحذر إلى نهج يحدّ من قدرة الفريق على تهديد منافسه.
وقد نجح العنابي في المحافظة على نظافة شباكه طوال 120 دقيقة، لكنه لم ينجح بالقدر المطلوب في فرض شخصيته الهجومية. وهنا يبرز السؤال: هل كان الهدف الفوز بالمباراة، أم تجنب الخسارة وانتظار ركلات الترجيح؟
التبديلات تكشف فلسفة المدرب
تعززت علامات الاستفهام حول النهج الفني من خلال الخيارات البشرية، والاعتماد على عناصر تميل إلى الواجبات الدفاعية، مثل طارق سلمان وعيسى لاي وجاسم جابر وسلطان البريك، وإن اختلفت أدوارهم ومشاركاتهم خلال البطولة.
وكان إشراك جاسم جابر بدلاً من كريم بوضياف، وخروج أكرم عفيف لمصلحة إدميلسون جونيور، من أبرز التحولات في المباراة، فيما جاء دخول سلطان البريك لتعويض همام الأمين المصاب، وهو تبديل اضطراري ينبغي أخذه في الاعتبار عند التقييم.
ورغم أن إدميلسون كاد ان يحسم المواجهة بتسديدة ارتدت من القائم، فإن الحصيلة العامة للتغييرات لم تمنح العنابي التفوق الهجومي المنشود.
أبو ندى يستحق الإشادة
يستحق الحارس محمود أبو ندى الإشادة بعدما قدم مباراة كبيرة، وتصدى لمحاولات سعودية خطيرة، مؤكداً امتلاكه المقومات التي تجعله مكسباً مهماً للمنتخب في المستقبل.
لكن تألق الحارس لا ينبغي أن يحجب مشكلة قلة الفاعلية الهجومية، وضعف الانتقال السريع من الدفاع إلى الهجوم، وغياب المساندة الكافية للمعز علي، فضلاً عن محدودية استثمار قدرات أكرم عفيف قبل استبداله.
وكان المنتخب بحاجة إلى تقارب أكبر بين خطوطه، وتحركات أكثر فاعلية دون كرة، واستغلال المساحات خلف الدفاع السعودي، بدلاً من الاكتفاء بمحاولات متباعدة لم تشكل ضغطاً هجومياً مستمراً.
ركلات الترجيح ليست الخطة البديلة
اعترف لوبيتيغي عقب المباراة بأنه فضل الأسلوب الدفاعي بسبب قوة المنافس وإرهاق لاعبيه، وأشار إلى استعداد الفريق لاحتمال الاحتكام إلى ركلات الترجيح.
ورغم مشروعية الاستعداد لجميع السيناريوهات، فإن الاعتماد على الترجيح بوصفه مخرجاً محتملاً يحمل مخاطرة كبيرة، لأنه ينقل الحسم من العمل الجماعي خلال المباراة إلى اختبار تتداخل فيه المهارة والضغوط النفسية.
وقد دفع العنابي ثمن ذلك بإهدار ثلاث ركلات، رغم الأداء المميز لحارسه. والمطلوب مستقبلاً امتلاك بدائل هجومية واضحة، تسمح بتغيير إيقاع المباراة
قبل الدفاع عن اللقب الآسيوي
الأهم الآن ألا تتحول الخسارة إلى مجرد ذكرى عابرة، بل إلى فرصة حقيقية لتصحيح الأخطاء قبل خوض كأس آسيا، حيث تنتظر العنابي مسؤولية مضاعفة باعتباره حامل لقب النسختين الأخيرتين.
وتبدأ المراجعة بإعادة تقييم التوازن بين الدفاع والهجوم، ورفع الجاهزية البدنية، وتطوير الحلول أمام المنتخبات القوية، ومنح العناصر الشابة فرصاً مدروسة، مع استثمار خبرات النجوم.
ولا تعني المطالبة بالجرأة الهجومية التخلي عن الانضباط، وإنما إيجاد شخصية فنية قادرة على المبادرة والتكيف مع ظروف المباريات.