

تقدم قناة الجزيرة الوثائقية فيلمًا إنسانيًا جديدًا بعنوان «أم عصام.. من حكايات الشتات»، ضمن سلسلة أفلامها التي توثق تجارب الفلسطينيين في المنافي، مستعرضةً السيرة الاستثنائية للمناضلة والإعلامية الفلسطينية خديجة سلامة (أم عصام)، التي تحولت على امتداد عقود إلى رمز للعطاء والحفاظ على الهوية الوطنية الفلسطينية في الشتات. ويروي الفيلم الذي نوهت به الجزيرة على صفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي، رحلة تمتد لنحو تسعة عقود، بدأت بخروج أم عصام من فلسطين وهي رضيعة في شهرها الثامن عقب نكبة عام 1948، لتتنقل مع أسرتها بين لبنان وسوريا وليبيا، قبل أن تستقر في تونس، حيث عملت صحفية في وكالة الأنباء الفلسطينية «وفا»، وأسهمت في النشاط الوطني والإعلامي الفلسطيني، جامعـة بين العمل الصحفي والرسالة الإنسانية.
ولا يقف الفيلم عند مسيرتها المهنية، بل يسلط الضوء على جانبها الإنساني، إذ أصبح بيتها في تونس ملاذًا للطلبة الفلسطينيين المغتربين، وقدمت لهم الدعم المادي والمعنوي، وساعدت كثيرين منهم على استكمال دراستهم، حتى غدت بالنسبة لهم «أمًا» حقيقية، وهو اللقب الذي التصق بها لسنوات طويلة. كما يبرز الفيلم كيف قاومت أم عصام محاولات الذوبان في المنفى بالحفاظ على تفاصيل الحياة الفلسطينية اليومية؛ فحرصت على نقل المطبخ الفلسطيني، والزي التقليدي، واللهجة، والعادات الاجتماعية إلى أبنائها وأحفادها، معتبرة أن هذه التفاصيل الصغيرة تمثل خط الدفاع الأول عن الهوية الوطنية في حياة اللجوء.
ويقدم العمل صورة إنسانية عميقة عن معنى الانتماء، إذ يؤكد أن أم عصام، رغم أنها لم تعش في فلسطين، حملت الوطن في وجدانها، وجعلت من ذاكرتها الشخصية وسيلة للحفاظ على الرواية الفلسطينية ونقلها إلى الأجيال الجديدة، لتصبح نموذجًا للفلسطيني الذي يصون هويته أينما كان.
ويأتي الفيلم في إطار اهتمام الجزيرة الوثائقية بتوثيق قصص الفلسطينيين في الشتات، وإبراز النماذج التي حافظت على الذاكرة الوطنية، انسجامًا مع رسالة القناة في تقديم أعمال وثائقية ترصد التجارب الإنسانية والتاريخية والثقافية، وتوثق حكايات الأشخاص الذين تركوا أثرًا في مجتمعاتهم.
ويؤكد الفيلم من خلال رصد حكاية أم عصام وارتباطها بالوطن، أن الهوية الفلسطينية لا تُختزل في حدود المكان، وإنما تعيش في الذاكرة والثقافة والعلاقات الإنسانية، وأن أم عصام جسدت طوال حياتها هذه الفكرة، إذ تحولت من لاجئة صغيرة إلى «أم الفلسطينيين» في تونس، ومن صحفية إلى حارسة للذاكرة الوطنية، لتصبح سيرتها واحدة من أبرز حكايات الشتات الفلسطيني التي تستحق أن تروى.