

تواصل متاحف قطر في مدرسة قطر الإعدادية، المعرض الجديد بعنوان “الريف”، الذي يقام لأول مرة ضمن سلسلة المعارض التي تضيفها المؤسسة إلى مشروعاتها الفنية والثقافية الكبرى. ويعد هذا المعرض محاولة لاستكشاف ملامح “ريف جديد” في عالم تتزايد فيه مظاهر التحضر بوتيرة غير مسبوقة.
يُقام المعرض في موقعين رئيسيين في الدوحة، هما: مدرسة قطر الإعدادية، ومتحف قطر الوطني. ويركز المعرض على شريط جغرافي واسع يمتد من إفريقيا مروراً بالشرق الأوسط وآسيا الوسطى، وصولاً إلى الصين. وهي مناطق ترتبط بعلاقات تاريخية عميقة، وتشكل اليوم موطناً لأغلب سكان العالم.
ومن خلال العروض الغامرة والبحوث النقدية، يتحدى المعرض السردية السائدة التي تركز على المناطق الحضرية، ويدعو الزوار إلى استكشاف كيف يمكن للحياة الريفية أن تقدم حلولاً أكثر إنسانية ومراعاة للبيئة في مواجهة الأزمات العالمية الراهنة. كما يعزز المعرض، بالتعاون مع الشركاء المحليين والدوليين، الحوار والعمل بين الأجيال، ويقدم تصوراً جديداً لمستقبل الحياة خارج نطاق المدينة.
ويقام هذا المعرض برعاية صندوق قطر للتنمية، ووزارة البيئة والتغير المناخي، وشركة حصاد الغذائية، وكهرماء. وبدعم من مؤسسة العطية، ومركز إرثنا، وجامعة جورجتاون في قطر، Volkswagen، ومتحف الشيخ فيصل بن قاسم آل ثاني.
سيادة نموذج واحد من الحضارة
يطرح المعرض الذي يستمر حتى 29 إبريل المقبل، أسئلة جوهرية حول مستقبل الريف في ظل التحولات العالمية التي شهدها العقدان الماضيان، إذ اتسمت هذه الفترة – منذ عام 1991 تقريبًا – بسيادة نموذج واحد من الحضارة، هو الحضارة المدنية الرأسمالية الغربية اللادينية، التي بدت وكأنها النموذج المعياري للتنمية العالمية إلى الأبد.
ويستحضر المعرض إحصائية أصدرتها الأمم المتحدة عام 2007، كان لها أثر بعيد المدى، حيث أعلنت أن البشرية أصبحت منقسمة بالتساوي بين سكان المدن وسكان الريف، مع توقع أن تصل نسبة سكان المدن إلى ما بين 70 و80% بحلول عام 2050. وتثير هذه المعطيات تساؤلات حول ما إذا كان العالم يتجه نحو نتيجة عبثية يعيش فيها معظم البشر في مساحة لا تتجاوز 2% من سطح الأرض، بينما تُستنزف 98% المتبقية نتيجة النزوح غير الطوعي من الريف.
وتشكل المناطق الحضرية 2% فقط من سطح الكرة الأرضية، بينما يُطلق على النسبة المتبقية لفظ “الريف”، رغم أن هذه التسمية لا تصف بدقة البرية أو الصحراء أو جبال الهملايا مثلاً. فبينما يمكننا فهم المدينة حسب طبيعتها ووظائفها، فإن الريف يظل مفهومًا أكثر اتساعًا وتعقيدًا، لا يمكن توثيقه أو تعريفه بالمنطق نفسه.
وتم تصميم المعرض ليعرض مجموعة من الصور والمشاهد المنفصلة لمناطق وظواهر مختلفة في الولايات المتحدة وأوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط وروسيا والصين واليابان وأستراليا، حيث تُشكل هذه المشاهد معًا لوحة بصرية تكشف ملامح ريف جديد بعناصره الفاعلة والمتشابكة. ويطرح المعرض عبر هذه المشاهد تساؤلات مفتوحة حول معنى الريف اليوم، إلى جانب إجابات جزئية تتجسد في الصور والحكايات المعروضة.
مبادرات كبرى
وفي واحد من أهم أقسام المعرض، والمعنون بـ “إعادة التشكيل السياسية”، يُبرز المعرض كيف أن القرن العشرين شهد مجموعة من المبادرات الكبرى، المدفوعة بالحاجة والطموح والأيديولوجيا والهياكل السياسية الجديدة، التي أدت إلى إعادة تصميم جذرية لمساحات واسعة من الريف حول العالم. فقد واجهت الأنظمة السياسية المختلفة مخاطر هائلة في محاولاتها زيادة الإنتاجية وضمان الأمن الغذائي وإعادة تشكيل المجتمع الريفي. وشهد هذا المسار تقاطعات من النجاحات والإخفاقات، من المجاعات إلى فترات الإنتاج الوفير، مما يجعل عالمنا المعاصر ما زال متأثرًا بعمق بتلك الجهود التاريخية التي سعت إلى إعادة تعريف العلاقة بين الريف والتنمية.
ويمتد المعرض على طابقين في مدرسة قطر الإعدادية، حيث يركز الطابق العلوي على الريف الذي يشهد تحولات جذرية، وهو الجزء الذي سبق عرضه في متحف غوغنهايم بنيويورك عام 2020، ويتناول الجهات الفاعلة والعادات والمناظر الطبيعية والتقنيات إلى جانب أزمات المناخ وضرورات التنوع الحيوي.
أما الطابق السفلي فيتتبع قوسًا جغرافيًا يمتد من إفريقيا مرورًا بالشرق الأوسط وآسيا الوسطى وصولًا إلى منغوليا والصين، مستعرضًا معنى العيش في الريف اليوم عبر ممر داخلي غير ساحلي يرتبط بطرق التجارة التاريخية ويخلو إلى حد كبير من المدن الكبرى.
ويقدم المعرض في طابقيه رؤية متكاملة لريف يتقاطع مع المدينة، حيث تسهم الابتكارات البيئية والاجتماعية والتكنولوجية في تعزيز قوة الريف وإعادة تصور مفهوم التحضر في القرن الحادي والعشرين.