تعتمد الكثير من الشركات الصينية على أجزاء وقطع غيار من الولايات المتحدة الأمريكية تدخل في صناعة منتجاتها الثمينة والكبيرة، ولا سيما في صناعة السيارات والآلات وغيرها من الصناعات الثقيلة، ومع توتر العلاقات وتزايد حدة الحرب التجارية بين واشنطن وبكين، تتجه بعض هذه الشركات إلى السوق المحلية لصناعة الأجزاء التي تحتاج إليها، إذ أصبحت تكلفة استيرادها عالية للغاية.
وذكرت شبكة سي إن إن الأمريكية، في تحليل لها، أنه في ظل التعريفات الجمركية المتبادلة بين واشنطن وبكين، ومع عدم وضوح أي آفاق لتراجع أي طرف عن موقفه في الوقت الراهن، تتجه شركات صينية عديدة لإنتاج المكونات التي تحتاج إليها في السوق المحلية، لتوفير تكاليف الاستيراد التي أصبحت باهظة جدا.
ومن بين هذه الشركات شركة سوتشو أوسايتك فوتوإلكتريك تكنولوجي، وهي شركة آلات تتخذ من مدينة شنغهاي مقرا لها، التي بدأت تسرع خططها لإنتاج مكوناتها بنفسها، بحسب كبير مهندسي الشركة هي تشونغ يا .
ويقول هي تشونغ يا ، إن الشركة، التي توظف نحو 100 شخص، كان سيتوجب عليها التحول إلى الانتاج المحلي في نهاية المطاف، لكن الحرب التجارية ساهمت فقط في تسريع وتيرة هذا التحول ، وأضاف هي هذه الحرب التجارية تحفز الصين على التطور والتقدم بوتيرة أسرع .
وتتبادل الدولتان صاحبتا أكبر اقتصادين في العالم فرض تعريفات جمركية على مئات المليارات من الدولار من سلع بعضهما البعض، وهذه التدابير يتوقع أن يكون لها أثر بالغ على الاقتصاد الصيني الذي يعتمد أكثر على التصدير، وقد بدأ بالفعل يفقد قوته خلال العام الجاري.
ولكن هذا الصراع يشجع، في الوقت نفسه، الشركات ومسؤولي الحكومة في الصين على المضي قدما في القيام بتغييرات من شأنها أن تجعل الاقتصاد الصيني في نهاية المطاف أكثر تنافسية وأكثر جذبا للمستثمرين الأجانب.
وقد كشفت وزارة التجارية الأمريكية عن مدى اعتماد الصين على التكنولوجيا الأمريكية خلال العام الجاري، عندما منعت شركات أمريكية من بيع مكونات حيوية لشركة خدمات الاتصالات الصينية العملاقة زد.تي.إي، لتجبرها على تعليق قرابة نصف جميع عملياتها، حيث عززت أزمة شركة زد.تي.إي الاعتقاد لدى مسؤولي الصين بأن البلاد في حاجة لأن تصبح أكثر اعتمادا على النفس وأكثر اكتفاء ذاتيا.
ويقول سكوت كينيدي الخبير في الاقتصاد الصيني بـ مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، وهو مركز أبحاث سياسية أمريكي مقره العاصمة واشنطن، إننا على الأرجح بصدد رؤية جهود مكثفة أكثر في مجال الابتكار والابداع المحلي في الصين .
ومع ذلك، حذر كينيدي من أن إقدام الصين على تطوير بعض الصناعات التكنولوجية المتقدمة، مثل أشباه الموصلات، مع خفض الاعتماد على الولايات المتحدة سيكون صعبا على المدى القصير .. موضحا ان الشركات الصينية تعتمد بكثافة على رقائق أمريكية الصنع لإنتاج شبكات الهواتف المحمولة والذكية.
ولكن الخبير الأمريكي أشار إلى أن تدهور العلاقات مع الولايات المتحدة قد يدفع الصين نحو تكثيف التعاون مع دول أخرى متقدمة في مجال التكنولوجيا، مثل اليابان وكوريا الجنوبية ودول أوروبية.
ومن جانبه، قال كيني ليو، المحلل بشركة الأبحاث فيتش سولوشنس، إن بكين تدفع منذ أشهر نحو إصلاحات في مجالات مثل حماية الملكية الفكرية، حيث تسعى لتشجيع تطوير المزيد من التكنولوجيا المحلية.
وأضاف ليو، أن الحرب التجارية ستدفع الحكومة الصينية بلا شك لتسريع جهودها في القيام بمثل هذه الإصلاحات.
وقد قطعت الصين بالفعل طريقا طويلا في مجال التكنولوجيا المتقدمة، وعلى مدى العشرين عاما الماضية، تحولت آلة تصديرها العملاقة من تصدير سلع مثل الملابس ولعب الأطفال إلى الإلكترونيات والهواتف الذكية، وبات لدى الصين اليوم أكثر من شركة كبيرة منافسة بقوة في هذه المجالات.
ويرى شو بين ، أستاذ الاقتصاد والتمويل في جامعة الصين - أوروبا الدولية لإدارة الأعمال في شنغهاي، إن الصين لم تعد مكانا رخيصا لإنتاج البضائع الرديئة أو منخفضة التكلفة .. مضيفا أن الشركات الصينية تستجيب بقوة للبيئات المتغيرة .
وأشار بين إلى أن حرب التعريفات الجمركية ستضفي قوة إضافية لدفع شركات القطاع الخاص الصينية على التحسن والارتقاء بمستواها .
وتثير موجات التعريفات الجديدة التساؤلات بشأن جاذبية الصين كمركز للتصنيع. وتقول شركات عديدة إنها تدرس تغيير مكان إنتاجها إلى دول أخرى من أجل تجنب التكاليف الإضافية، وهو ما يحمل الحكومة الصينية ضغطا إضافيا لإيجاد سبل لتعويض الضرر الناجم عن التعريفات الجمركية.
ولطالما تعرضت الصين لانتقادات بسبب سياساتها الاقتصادية التقييدية التي أبقت الشركات الأجنبية خارج قطاعات واسعة من اقتصادها، وفضلت مقابل ذلك الشركات المحلية، وخاصة الشركات الكبيرة المملوكة للدولة.. ويصر قادة الصين على أنهم ملتزمون بفتح الاقتصاد تدريجيا وبوتيرة مناسبة، ومن شأن الحرب التجارية أن تسرع وتيرة هذه العملية (الانفتاح الاقتصادي).
وقد شكك محللون وقادة أعمال في السابق في التزام الصين بالإصلاحات التي تسهل على المستثمرين الأجانب مزاولة الأعمال هناك، لكن البعض يعتقد حاليا أن بكين لا تواجه متسعا من الخيارات، بحسب شبكة سي إن إن الأمريكية.