

لا يزال علي بن عبدالله الفياض يتسلح بخبرته في جمع الرواية الشفهية، ويواصل مسيرته التوثيقية لتراث وتاريخ قطر والخليج العربي، ولكنه هذه المرة يهتم بموضوع جديد، الكتابات فيه ضئيلة جدًا، لذا يعزف عن الكتابة فيه المؤرخون المتمرسون، وذلك لندرة المادة التاريخية المدونة، ألا وهو موضوع الأمراض والأوبئة والطواعين والجوائح، التي مرت بالإنسانية والمجتمعات، إذ إنها لم تحظ بالتوثيق الكافي، لكن فيما يبدو أن ما تعرض له العالم من ثلاث سنوات عصيبة (2020-2022) في ظل جائحة كورونا، قد نبه إلى أهمية الكتابة في هذه الموضوعات؛ كي نتعلم ونستفيد دروس التاريخ، ونستفيد من كيف واجه الآباء والأجداد أمثالها في الماضي، كي نتعايش مع واقعنا، ونستشرف مستقبلنا، ولهذا يُمثل هذا الكتاب نموذجًا للصحوة التي بدأت تهتم بالكتابة عن مثل هذه الموضوعات.
وعلي الفياض باحث يهتم بالتراث القطري، جمعًا وتحقيقًا وتوثيقًا ونشرًا وتعريفًا ودراسةً، وقدم خدمات جليلة له، من خلال الكثير من الكتب التي أصدرها، تناولت موضوعات تراثية مختلفة، ويهتم اهتمامًا خاصًا بالشعر النبطي، بأنواعه المختلفة، وبشعرائه عامة، والقطريين بخاصة، وجمع وحقق أكثر من ديوان شعر، كما جمع في كتب شعرية أجمل وأبدع ما اطلع عليه من الشعر النبطي القطري، والذي تضمن شعرًا للنخبة من كبار الشعراء في قطر، الذين أبدعوا قصائد في مختلف بحوره، والكثير من الموضوعات التي تتعلق بالحياة على أرض قطر، مقدمًا قصائد لأكثر شعراء قطر؛ بالإضافة إلى أنه شاعر يقرض الشعر، ويبدع في قصائده، وبهذا ترك بصمته في المدرسة الأدبية القطرية، بما قام به من التعريف بشعراء قطر الكبار، وبما بذله من جهود في سبيل جمع دواوينهم وطباعتها ونشرها، فقد نشر ديوان الشاعر راشد بن سعد الكواري، وديوان الشاعر إبراهيم بن محمد الخليفي، وديوان الشاعر محمد بن عبد الوهاب الفيحاني، وديوان الشاعر عيد بن صلهام الكبيسي، وديوان الشاعر عبد الله بن صالح الخليفي، وهو ما يجعله بحق جامع التراث القطري ومُحققه، ولا يزال يواصل جهوده في التنقيب عن الآثار التراثية، ومن ثم توثيقها وتحقيقها ودراستها من أجل الحفاظ على التراث القطري عامة، والتراث الشعري بخاصة، ولعل الكتاب الذي بين أيدينا هو خير مثال على استمرار جهوده، إذ نراه فيه ينقب في كتب التراث، وينقل من أفواه الرواة روايات عما تعرضت له قطر ودول الخليج العربي من أمراض وأوبئة وطواعين وجوائح.
يسعى الفياض في مؤلفه إلى تسليط الضوء على بعض الأمراض والأوبئة التي مرت بأهل قطر والخليج العربي، من خلال ما وقف عليه من روايات مؤرخي المنطقة القدامى، أو من روايات شفهية جمعها من أفواه الرواة المعاصرين، ومن هنا تأتي أهمية هذا الكتاب لتوضح دور الأمراض والأوبئة في ما تعرضت له الأمم، باعتباره علامة بارزة في مسيرة التطور الإنساني، ومن هنا تظهر أهمية المؤلف الذي يلتزم بالموضوعية والحيدة، الأمر الذي يجعل كتابه إضافة لحقل العلوم الإنسانية. ويقوم على مصادر أولية أصيلة، ومراجع علمية رصينة، تزيده أهمية، وتجعله بحق إضافة جديدة للمكتبة التاريخية العربية عامة، ومكتبة الدراسات التاريخية لقطر والخليج العربي بخاصة، ليُقدم رؤية محددة المعالم، متكاملة الأركان، مختلفة كل الاختلاف عن الدراسات السابقة، بعيدة كل البعد عن الجمود، في قالب فكري، وأسلوب سلس يمتع القارئ، ويقدم له المعلومة تلو الأخرى بطريقة يسيرة بسيطة، ولهذا فإنه يستحق القراءة، لأنه ممتع في تصفحه وقراءته.
والكتاب مقسّم إلى أربعة فصول تسبقها مقدمة، وتلحقها ملاحق عبارة عن نماذج من وثائق الأرشيف البريطاني، التي سلطت الضوء على ما مر بمنطقة الخليج العربي من الأمراض والأوبئة والطواعين. وعرّف في الفصل الأول بوباء الطاعون، ثم تناول ما ذكره بعض مؤرخي شبه الجزيرة العربية عنه، أمثال: ابن بشر، ابن بسام، وتطرق للطاعون في الكويت وقطر والبحرين، وسنة الرحمة، وقصة المثل القطري الشهير «خراب البصرة عمار الزبارة»، ومدى ارتباطه بإشكالية كتابه، واختتم بما ذكره الرحالة السياسي البريطاني جون لوريمر في كتابه «دليل الخليج»، ثم سلط الضوء في الفصل الثاني على وباء الجدري في نجد والكويت قطر، وأخيرًا دليل لوريمر، وخصص الفصل الثالث للأوبئة على ألسنة الرواة من أهل قطر، فنقل روايات كل من: الشيخ فيصل بن قاسم آل ثاني، إبراهيم بن علي المريخي، الشاعر علي بن حسن الكبيسي، علي بن ماجد المالكي، جمعة بن عبدالله المريخي، جمعة بن خميس الغوانم المريخي، الشاعر حمد بن محسن النعيمي، عيسى بن غانم البودهيم المالكي، عجب بن هادي العجب الشهواني الهاجري، محمد بن ناصر العلي. واختتم الكتاب بالفصل الرابع، الذي ذكر فيه جانبا مما ورد على ألسنة شعراء الكويت وقطر عن الأمراض والأوبئة، حيث يختتم بأبيات من قصيدة الشاعر القطري رائد بن علي العلي، التي يذكر فيها الوباء في ديرة الحضر.