تتميز العلاقات القطرية الفرنسية بالقوة والمتانة، قوامها شراكة إستراتيجية لنحو 50 عاماً من العلاقات الثنائية بين البلدين التي انطلقت في 1971. وهناك تجانس قائم بين الدولتين في السياسة الخارجية والمواقف المتقاربة والتشاور بينهما في العديد من الملفات الدولية، كما يرتبط البلدان بشكل خاص ببروتوكول الحوار الإستراتيجي.
وتتسم العلاقات بين البلدين بالأجواء الإيجابية وهو ما يعكس عمق العلاقات والتعاون بينهما في شتى المجالات، وتعد زيارة فخامة الرئيس إيمانويل ماكرون رئيس الجمهورية الفرنسية للدوحة اليوم، تأكيداً للعلاقات المتينة التي تترجمها الزيارات رفيعة المستوى بين البلدين، وكان حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى زار الجمهورية الفرنسية الصديقة في يوليو وسبتمبر من العام الماضي، وخلال زيارته في يوليو شهد توقيع عدد من الاتفاقيات بين البلدين.
ومن بين الاتفاقيات التي شهدها حضرة صاحب السمو في يوليو العام الماضي، التوقيع على اتفاقية بين هيئة المناطق الحرة بدولة قطر وشركة تالس الفرنسية لكي تفتح الأخيرة فرعا لها في الدوحة، واتفاقية بشأن الاعتراف المتبادل لرخص القيادة بين حكومتي البلدين تهدف لتعزيز التعاون المشترك بين مواطني البلدين. كما تم التوقيع على اتفاقية بين جامعة قطر وجامعة بريتانيا الجنوبية في الجمهورية الفرنسية تهدف إلى تنمية التعاون العلمي بين الجامعتين للاستفادة من الإمكانيات المشتركة خاصة في مجال الأمن السيبراني، وخطاب نوايا بين وزارة البلدية بدولة قطر ووزارة الزراعة والأغذية في الجمهورية الفرنسية يهدف إلى تعزيز التعاون بين البلدين في مجال الزراعة والأمن الغذائي ورفع مستوى الاستثمارات التجارية المتبادلة للمنتجات الزراعية.
هذه الاتفاقيات التي شهدها سمو الأمير تضاف لرصيد الاتفاقيات ومذكرات التفاهم بين البلدين، والتي تشمل على سبيل المثال التعاون الاقتصادي والمالي والثقافي والفني، واتفاقية للجنة وزارية مشتركة بين البلدين 1974، واتفاقيات للنقل وتجنب الازدواج الضريبي والشباب والرياضة والتشجيع والحماية المتبادلة للاستثمارات، والرياضة وغيرها من المجالات الأخرى للتعاون بين البلدين.
هناك العديد من القضايا السياسية التي تجمع البلدين والتي ساهمت في تعزيز العلاقات بينهما، وشاركت دولة قطر فرنسا عام 2007 في عملية الإفراج عن الممرضات المسجونات في ليبيا، كونها الضامن في عملية الإفراج عن الممرضات، وتعاونت دولة قطر وفرنسا في إيجاد حل للأزمة اللبنانية عام 2008 والتي تمخضت عن اتفاق الدوحة . كما تضافرت جهود البلدين في السودان لمعالجة أزمة دارفور، حيث كانت باريس تواكب الجهود التي تبذلها الدوحة لحل هذه الأزمة، كما التقت وجهات النظر إزاء معالجة الأزمات التي تشهدها مناطق أخرى في الصومال وجيبوتي وإريتريا وسوريا ودعم المسيرة الديمقراطية في دول الربيع العربي.
وفي القضية الأفغانية يعمل البلدان سوياً من أجل إيجاد الحلول المناسبة لهذه الأزمة، وأكد سعادة الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، خلال مؤتمر صحفي مع سعادة السيد جان إيف لودريان وزير أوروبا والشؤون الخارجية بالجمهورية الفرنسية، أن الملف الأفغاني أخذ الحيز الأكبر من النقاش بين الطرفين.
وأوضح سعادة نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، أن الجانبين القطري والفرنسي أكدا في هذا السياق على ضرورة استمرار التشاور فيما يعنى بالملف الأفغاني وخصوصاً فيما يتعلق بالتطورات الأمنية والسياسية الأخيرة في أفغانستان، حيث جرى التركيز على أهمية المضي قدما في المصالحة الوطنية وضمان حرية المرور والسفر للجميع وتقديم الضمانات لحقوق وسلامة الشعب الأفغاني.
وبحث الطرفان كيفية استمرار التشاور والتعاون الدولي حول أفغانستان وبالذات فيما يتعلق بتقديم المساعدات الإنسانية ومحاولة خلق توافق دولي حول وضع آليات لتقديم المساعدات وإيصالها لمستحقيها.
وتم الاتفاق بين البلدين على عقد الحوار الإستراتيجي بين دولة قطر وفرنسا قبل نهاية العام الجاري، لتقييم الشراكة بين البلدين وبحث الوسائل والسبل لتعزيزها في كافة المجالات.
وخلال زيارة فخامة الرئيس ماكرون للدوحة في ديسمبر من العام الماضي، بحث مع حضرة صاحب السمو العديد من القضايا الإقليمية والدولية ومن بينها الأزمة الليبية وأكدا على ضرورة دعم جهود الوساطة التي تقودها الأمم المتحدة من خلال اتخاذ إجراءات محددة تجاه جميع الأطراف الليبية.
وتطرقت المباحثات إلى الجهود المشتركة بين البلدين في مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف، وهي المسألة التي تصدرت جدول أعمال الشراكة بين الجمهورية الفرنسية ودولة قطر. كما شهدا توقيع خطاب النوايا المتعلقة بالتعاون الثنائي لمكافحة الإرهاب والتطرف العنيف وتمويله إضافة إلى جذوره الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، بالإضافة لاتفاقيات أخرى في مجالات الطيران الدفاع وغيرها.
عسكرياً ترتبط كل من الدوحة وباريس بعلاقات قوية في مختلف المجالات، ووقع البلدان اتفاقية لشراء 24 طائرة رافال بقيمة 6.7 مليار يورو وفي فبراير من 2019 تسلمت القوات الجوية الأميرية القطرية أول طائرة من طائرات الرافال الفرنسية المقاتلة.
وفي مجال التجارة والاستثمار تعتبر دولة قطر ثاني أكبر مستثمر في فرنسا خلال 2015، وبالمقابل تعتبر فرنسا من أهم الشركاء الإستراتيجيين لدولة قطر وهي الشريك التجاري السابع لقطر، وبلغ عدد الشركات الفرنسية العاملة في دولة قطر 418 شركة، من بينها 68 شركة بملكية فرنسية بنسبة 100 %، و339 شركة أقيمت بالشراكة مع الجانب القطري، و8 شركات مرخصة من قبل مركز قطر للمال، و3 مكاتب تمثيل لجمهورية فرنسا.
وبلغ إجمالي الاستثمارات القطرية في فرنسا حوالي 30 مليار يورو، في قطاعات السياحة والنفط والعقارات والرياضة منها 10 مليارات يورو استثمارات خاصة. وتساعد الاستثمارات القطرية الفرنسية في توفير فرص عمل بالسوق الفرنسي تصل لنحو 60 ألف فرصة عمل من هذه الاستثمارات.
وكانت شركة توتال الفرنسية و قطر للطاقة وقعتا شراكة لتطوير حقل الشاهين النفطي، كما أن هناك العديد من الفرص الاستثمارية بين البلدين، وفي هذا الصدد هناك حوالي 110 شركات فرنسية أسست نشاطاً لها في قطر في عدد من المجالات، مما يعكس الفرص الاستثمارية التي يتيحها الاقتصاد القطري. وبلغ إجمالي حجم العقود الاقتصادية الموقعة بين الجانبين الفرنسي والقطري خلال 2019 قرابة 32.7 مليار ريال (8 مليارات يورو).
وفي فبراير من العام الماضي شاركت دولة قطر في أعمال الدورة الثانية للقاءات الحلقة الاقتصادية القطرية - الفرنسية كادران التي افتتحها سعادة الشيخ علي بن جاسم آل ثاني سفير دولة قطر لدى الجمهورية الفرنسية، بحضور نخبة من كبار رجال الأعمال القطريين والفرنسيين.
وأكد سعادة السفير على العلاقات الاقتصادية المتميزة بين دولة قطر والجمهورية الفرنسية، مشيرا إلى توقيع اتفاقية طويلة الأمد بين مجموعة قطر للطاقة وشركة Elengy الفرنسية الأسبوع الماضي من أجل استيراد وتخزين الغاز الطبيعي المسال في فرنسا.
وتوظف فرنسا الكثير من الاستثمارات في دولة قطر في مجالات الغاز والنفط، فضلاً عن الاستثمارات في مجال البنية التحتية وخاصة في مجال الإنشاءات الكبيرة المتعلقة بالاستعداد لاستضافة بطولة كأس العالم قطر 2022، فضلاً عن التبادل في مجالات الاقتصاد والتجارة والطيران.
ويلعب التبادل التجاري بين البلدين دورا مهما في تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية، حيث بلغ ما يقرب من 1.36 مليار دولار أمريكي خلال عام 2020 (حوالي 5 مليارات ريال)، ومنذ بداية العام الحالي بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين حوالي 4 مليارات ريال، وتصدر دولة قطر لفرنسا الغاز والهيدروكربونات الغازية وبوليمرات وغيرها من المواد الأخرى، فيما تستورد من فرنسا أجزاء الطائرات العادية والعمودية والمواسير والأنابيب وغيرها من السلع الأخرى.
وفي ديسمبر 2017 أعلنت الخطوط الجوية القطرية تأكيدها طلب شراء 50 طائرة من طراز إيرباص A321neo، بصفقة تبلغ قيمتها الإجمالية 6.35 مليار دولار، وذلك إثر اتفاق وُقع بين الشركتين.