فضيلة الشيخ د. محمد المريخي : القلوب محل النيات والغيبيات والمخبوءات

alarab
فضيلة الشيخ د. محمد المريخي : القلوب محل النيات والغيبيات والمخبوءات
محليات 03 مايو 2024 , 05:14م
العرب

أوضح فضيلة الشيخ د. محمد حسن المريخي خلال خطبة الجمعة التي ألقاها بجامع الإمام محمد بن عبدالوهاب أن من القضايا الكبيرة التي اهتم بها الشرع المطهر، وأكد عليها، وذكر بها مرارا قضية القلوب. فقضية القلب عباد الله قضية غاية في الأهمية في ديننا الحنيف، إذ القلوب يا عباد الله محل النيات والغيبيات والمخبوءات، والتي لا يطلع عليها إلا علام الغيوب، ثم صاحبها، وإلا فلا يمكن أن يعلم ما في القلوب أحد، إلا أن يصرح صاحبها بها بعد إذن الله عز وجل، ولذلك الذين يزعمون أنهم يعلمون النيات والمقاصد إن هم إلا يظنون "إن يتبعون إلا الظن، وإن هم إلا يخرصون"، ومن هنا جاءت خطورة القلوب، وما تحمله وتكنه وتخبئه، ففي القلوب عباد الله، الإيمان والكفر، والنفاق، والشرك، والبدعة، والخير والشر، والطيبات، والخبائث، والحلو، والمر، والموافقات، والمعارضات، والمصادمات، والأحقاد والضغائن، ولقد وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمة لتلتفت للقلوب، ولفت الانتباه بأنها محل نظر الرحمن جل جلاله، فقال صلى الله عليه وسلم "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" رواه مسلم. فمصير العبد عباد الله واقف على ما في قلبه من النيات والطيبات أو الخبائث والعقائد مما يحبه الله أو يسخطه، وأكد رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأمة أيضا، فقال  "وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" رواه البخاري ومسلم، ويعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم القلب للأمة، ومكانته، وعظيم أثره وخطورته، لتعتني بقلوبها أشد الاعتناء، فكان صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، فقال له أنس يا رسول الله، آمنا بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ فقال نعم، إن القلوب بين أصبعين من أصابع الله، يقلبها كيف يشاء" رواه الترمذي. وصححه الألباني. ألا وإن هذه القلوب يا عباد الله، تمرض وتصح، وتسفر، وتظلم، وتحيا، وتموت، وتنتكس، وتنقلب، يقول عليه الصلاة والسلام "تعرض الفتن على القلوب عرض الحصير عودا عودا فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى يصير القلب أبيض مثل الصفا، لا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر أسود مربادا كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه.
وأضاف: أن هذه مقدمات عن القلوب عامة، يقف عليها كل مسلم متعلم أو غير متعلم ، ليسرها وسهولتها، لكن تعالوا إلى ما أنذر الله به الناس يوم القيامة، فقلد أخبر سبحانه وتعالى في محكم التنزيل أنه لن يعبر من بوابة الآخرة عبد  يرضى الله عنه ويرحمه إلا من جاء ربه بما يرضيه، فجاءه بقلب سليم، فلن ينجو في الآخرة إلا من سلمت قلوبهم، واستسلمت لله ورسوله، فقال سبحانه حاكيا لنا دعاء إبراهيم عليه السلام أنه قال "ولا تخزني يوم يبعثون يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم"، وأثنى عليه سبحانه فقال "وإن من شيعته لإبراهيم إذ جاء ربه بقلب سليم"، كان من أشياع نوح عليه السلام على منهجه وملته نبي الله إبراهيم عليه السلام، حين جاء ربه بقلب بريء، بريء من كل اعتقاد باطل، وخلق ذميم، فما القلب السليم الذي لن ينجو أحد عند الله إلا من أتاه به.
وقال الخطيب إن القلب السليم بشهادة الله سماه الله سليما، هو الذي سلم من شبهات الكفر والنفاق والابتداع، وسلم من شهوات الزيغ والضلال، وهو الذي سلم لعبودية ربه، وامتثل واستسلم لأمره سبحانه، حبا وخوفا، ورجاء وطمعا، وسلم للرسول صلى الله عليه وسلم تصديقا وطاعة، "بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون"، "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما"، ومن أعجب ما قرأ العبد من كلام ربه وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يسأل ربه الثبات، يسأل ربه الثبات على الدين والملة، ويدعو ربه، فيقول "اللهم إني أسألك قلبا سليما" رواه أحمد والترمذي وصححه الألباني.
وأكد الشيخ د. محمد المريخي أن القلب السليم هو الذي امتلأ توحيدا لله تعالى، وتصديقا، ومتابعة لرسول الله وعملا بدين الله، وبراءة مما يخالف شرع الله، وخلا من الشركيات وتطهر من كل ما يسخط الله ويغضبه "من أتى كاهنا أو عرافا فسأله فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم". بذلك ثبت الخبر عن الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام، فالقلب السليم عباد الله، أحب الذي أحب الله تعالى، وكتابه ورسوله، والإسلام والسنة، والمؤمنين، وأبغض الكفر والكافرين والفسق والفاسقين، وقدم ما حقه التقديم في الشريعة، وأخر ما حقه التأخير في الدين، ولم يفتر على الله الكذب.
وذكر الخطيب أن القلب السليم هو الذي أحب السنة وصاحبها وطرد كل حب يضايقها أو يعارضها، واعتمد ما اعتمده الله كله، وأبطل ما أبطله الله ورأى الحق حقا كما أحقه الله والباطل باطلا كما أوجب الله، والقلب السليم فيه حب ويقين بوعد الله ووعيده وبشاراته وتطهر من الريب ورأى الخير كله في دين الله والشر كله في البعد عن رحاب الله، وهو الذي قرت عينه بالصلاة ولم يلتفت إلى شيء من الغوايات بعد أن هداه الله، وهو الذي إذا تليت عليه آيات الله زادته إيمانا وهدى واستسلاما، والقلب السليم هو الذي تسره الحسنة وتسوؤه السيئة، هو الذي لا يرى عظيما إلا الله ولا يقدس ولا يرفع ولا يقدم ولا يؤخر إلا ما أمر الله تعالى، ويرى السمو كله والعلو جله  والكمال في الإسلام دين الله وحده؛ كونه وحي الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والقلب السليم الذي يبتغي فيما آتاه الله الدار الآخرة، ولا ينسى نصيبه من الدنيا، يحب لإخوانه ما يحب لنفسه، وليس فيه بغض للمسلمين، ولا حسد ولا حقد، وهو الذي يحمد الله تعالى في السراء والضراء، ويقدر النعم، ويثمن المنن، هو الذي حبب الله إليه الإيمان، وزينه فيه، وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان، تلكم عباد الله، هو القلب السليم الذي يحبه الله ويقبله. ووعده الله تعالى، فقال "ألا خوف عليهم ولاهم يحزنون".
ولفت الشيخ د. المريخي أن قضية القلب حساسة جدا ومهمة، ينبغي أن يقف عندها المسلم مليا، وينظر في نفسه ويسائلها، ويفتشها، ويقلب صفحاتها، هل عنده قلب سليم في جوفه؟ هل في جوفه قلب يعمل كما يريد الله؟ لأن القلب السليم شرط القبول؟ ومفتاح الدخول على الله وهو المبشر في القبور، والمؤمن يوم النشور، ومثلما توجد قلوب سليمة، ففي مقابلها قلوب مريضة عليلة، فالخطورة بالغة، وخاصة في أزماننا، لاستسهال الناس بأمر القلوب وإهمالها، وعرض كل شيء عليها، وابتلاعها لكل ما عرض عليها، الأمر الذي يسبب عماها وظلمتها وانتكاستها، وكبر بلواها.
ونوه بأن مادة حياة القلوب هي ذكر الله تعالى والصلاة، والعمل بالدين، والصلة برب العالمين، يقول الله تعالى "الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب"، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم "مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره مثل الحي والميت" رواه البخاري، فإذا حيل بين القلب ومادة حياته هذه، مات القلب وعمي، وخطورة القلب عباد الله أنه إذا مات قد لا يشعر به صاحبه، ولكنه يعرف موت قلبه من عماه وشططه.
وأردف الخطيب: إن سلامة القلوب وطهارتها وصفائها خير يعم الدنيا والآخرة، فأما في الدنيا فصاحب القلب الطاهر السليم، يريه الله تعالى الحق حقا، لا يرتاب فيه، ويتفضل عليه باتباعه، ويريه الباطل باطلا، ويرزقه اجتنابه. ألم تروا عباد الله كيف يتخبط المتخبطون؟ في مذاهبهم ومشاربهم، وتوجهاتهم في فكرهم، في ثقافاتهم بل فيما أحل الله وحرم؟ فمن كان له قلب سليم، حي مستنير بطاعة الله وملازمة دينه، أنار الله له السبيل وهداه الصراط المستقيم، وأشرقت له الآمال ودله الله على الخيرات ومنعه وحجزه عن الشرور والمحرمات، وكان سعيدا بطاعة الله ومستعدا دائما للقاء ربه، وأما في الآخرة ابتداء من القبور ويوم النشور إلى أن يدخل الجنة فقد قال الله تعالى "فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون".
وبين الشيخ د. محمد المريخي أن التحدث عن القلب السليم في زمان فساد القلوب يبدو غريبا مستنكرا عند كثير من الناس لأنهم ي طغيانهم يعمهون، والقلب السليم بات بعيد المنال من بين الأمنيات، لكن ذلك على الله غير عزيز، "لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة لو بلغت ذنوبك عنان السماء -أي السحاب- ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي". ألا وإن أبواب القلوب اليوم مشرعة، مفتوحة دائما تقبل كل شيء في هذا الزمان لضعف العمل بدين الله، والارتباط بمنهج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهي تقبل الغث والسمين والمر والطيب والرديء والكفر والإسلام غير محصنة إلا من رحم الله تعالى، ولذلك ترى ما ترى من الانحراف من انحراف الأفكار والتصرفات والمعتقدات تغلب عليها الشهوات، والملذات، ومتطلبات النفوس، ويغيب عنها فلترة الأمور، وتصفية المعروض، وتنقية المفيد المرجو ليوم الوعيد.
فأصلحوا القلوب عباد الله بالقرآن والسنة، أصلحوا القلوب بالعمل بدين الله، وطاعة رب العالمين، وجنبوها أسباب الزيغ، والمرض، والعلة، والعمى، فالعوارض كثيرة، والمؤشرات وفيرة، والخطورة كبيرة عريضة.
ونوه الخطيب بقوله: لقد أطاحت القلوب بأصحابها كبارا وصغارا، ذكرانا وإناثا، لما فسدت عند الله تعالى، فأوردتهم النار، وبئس الورد المورود. يقول الله تعالى "تبت يدا أبي لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب سيصلى نارا ذات لهب" وذاك الذي قاتل حمية ودفاعا عن أبناء عمومته، حتى نال إعجاب الصحابة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه هو في النار، فلما استفسر الصحابة من رسول الله كيف هو في النار؟ قال كان يقاتل حمية، قال ابن رجب رحمه الله الخبيئة الخبيثة التي كان يخبئها، هي التي أورثته سوء الخاتمة، كما رفعت القلوب أصحابها عند الله، لما صلحت وطهرت واستسلمت لله، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلال بن رباح يا بلال حدثني بأرجى عمل  عملته في الإسلام، فإني سمعت الليلة خشفة نعليك بين يدي في الجنة، فقال ما عمل عملته أرجى عندي أني لم أتطهر طهورا تاما في ساعة من ليل أو نهار  إلا صليت لربي ما قدر لي أن أصلي.
فاتقوا الله وأصلحوا وتدراكوا القلوب قبل فوات الأوان ونزول المنايا، واحموها واحرسوها من سلبيات غواياتها وعماها.