

د. محمد حسن المريخي: اجتهدوا في الطاعات قبل انتهاء أيام الشهر
د. جعفر الطلحاوي: اكتساب واستدامة فضيلة تهذيب الطّباع
د. عايش القحطاني: وضع جدول لتحقيق أفضل استفادة
أكد عدد من علماء الدين ضرورة اغتنام ما تبقى من شهر رمضان الفضيل، وألا يفرط المسلم في أي من أوقاته، مشددين على أن البعض يحرص على استثمار أوقاته المباركة في بداية الشهر الكريم، ثم تفتر الهمم مع مرور أيامه.
وشددوا على أهمية استثمار أوقات رمضان في الأعمال الصالحة، وفي مقدمتها قراءة القرآن، خاصةً أن الصيام والقرآن مرتبطان، ويشفعان للمسلم يوم القيامة، إضافة إلى صلة الأرحام، والحرص على التصدق والمزيد من العطاء في هذا الشهر، اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم.
وحثوا على الحرص على تحصيل واكتساب واستدامة فضيلة تهذيب الطّباع وكبح جماح النّفس. ففي الحديث الصحيح: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يصخب فإن سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِم». إضافة إلى أهمية الحرص على سلامة وطهارة القلب من الرذائل كالأحقاد والضغائن.
أكد د. محمد بن حسن المريخي على أهمية اغتنام الأوقات في شهر رمضان الفضيل، وقال: بادروا أوقاته مهما أمكنكم، واشكروا الله تعالى على أن أخركم إليه ومكنكم، واجتهدوا في الطاعة قبل انقضائه، واسروا بالمثاب والمتاب قبل انتهائه، فساعاته تذهب، وأوقاته تنهب وزمانه يطلب، ويوشك الضيف أن يرتحل، وشهر الصوم أن ينتقل.
وأضاف: جاء في الحديث الشريف، صعد رسول الله المنبر فقال: (آمين آمين آمين ـ ثلاثاً ـ فقلنا: يا رسول الله، إنك صعدت المنبر، فقلت: آمين آمين آمين، فقال: إن جبريل عليه السلام أتاني، فقال: من أدرك شهر رمضان فلم يغفر له، فدخل النار فأبعده الله، قل: آمين، فقلت: آمين)، وأن من نعم الله علينا أن بلغنا شهر رمضان، فاغتنم شهر رمضان خير مغتنَم.
وتابع: من الناس من يجتهد في أيام الشهر الأولى ويكسل ويفتُر في بقية الأيام، ولا يزال يفتُر ويتكاسل حتى تضيع أو تمر عليه خير الأيام والليالي، العشر الأواخر من الشهر، فلقد كان رسول الله يخلط الأيام الأولى بنوم وصلاة وقيام، ولكنه كان يشمر عن ساعده إذا انتصف الشهر ويشد مئزره ويطوي فراشه إذا دخلت عليه العشر الأواخر من الشهر، فعلى المسلم أن يقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم، ويتفرغ للطاعة.
ونوه إلى أن رمضان شهر الله المعظم وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يهنئ أصحابه بقدومه، فهو شهر الفوز بالجنة والنجاة من النار، وهو شهر رفع الدرجات وإقالة العثرات وتصحيح الأخطاء وتعديل المسارات والمناهج، شهر الرجوع إلى الله تعالى الرؤوف الرحيم.
وقال إن الله تعالى تفضل علينا ببلوغ الشهر، وعلينا اغتنامه والمسارعة والمسابقة فيه لاكتساب الحسنات، فالرصيد الحقيقي للإنسان، رصيد الحسنات والعمل الصالح الذي يثقل الموازين (فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية) (الوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون).
وحث على الحرص على التزود بالأعمال الصالحة في هذا الشهر، ونبه إلى أن أول ما يتواصى به بعد تقوى الله تعالى هو الاهتمام بأداء الطاعات كما شرع الله تعالى ثم بالبذل والاهتمام الذي يرجو صاحبه ثمراته في الآخرة.
وبين أن الصيام عمل صالح كبير يرفع درجات صاحبه وعد الله تعالى أجراً كبيراً عليه داعيا إلى اغتنامه وإحاطته برعاية واهتمام كبيرين، لافتا إلى إنه الأجر بغير حساب والثواب المضاعف، يقول تعالى (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) والصيام صبر والصبر جزاؤه الجنة.
وأضاف: يتحقق في الصيام أنواع الصبر الثلاثة: الصبر على الطاعة والصبر عن المعصية والصبر على أقدار الله تعالى، كما تحقق فيه الإخلاص لله ومراقبته سبحانه.
وأكد أنه ليس كل صيام ينال صاحبه ثوابه ولكن الصيام الذي يؤتى ثماره وتدون أثاره في صحف العبد، هو الذي اعتنى به صاحبه وأحاطه بالاهتمام والحرص فاعتنوا رحمكم الله به فإنه عمل صالح كبير يحبه الله تعالى ويكافئ عليه جزاء عظيماً.
وحذر مما يكدر صفو الصوم ويعكر إخلاصه من النظر المحرم والسمع المحرم والبطش والغيبة والنميمة والكذب مشيرا إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حذر من أن البعض ليس له من أجر في صيامه سوى الجوع والعطش وهذا الذي صام بطنه ولم تصم جوارحه، فقال صلى الله عليه وسلم (رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش) رواه أحمد والبيهقي، وقال (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) رواه البخاري وأصحاب السنن.
ولفت إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجه إلى الاعتناء بهذه الطاعة غاية الاعتناء والحرص عليها ومداراتها فقال (إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل فإن جهل عليه أحد فليقل إني صائم) وفي رواية (فإن سابّه أحد فليقل إني صائم).
مراقبة الله تعالي
قال الشيخ الدكتور جعفر الطلحاوي - أحد علماء الأزهر عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين والهيئة العالمية لتدبر القرآن الكريم: من بعض الأمور الجميلة نتواصى بها في هذا الشهر المبارك الذي خصَّه الله بالذكر في كتابه بالاسم دون سائر الشهور، وأنزل فيه القرآن جملة واحدة، وابتدأ فيه إنزال القرآن على المصطفي صلوات الله وسلامه عليه على مدار اثنتين وعشرين سنة ونصف.
وأضاف: من بين هذه الأمور، استشعار مراقبة الله تعالي عزّ وجلّ- في السّرّ في الحديث القدسي الصحيح: (يَدَعُ طَعَامَهُ، وَشَرَابَهُ، وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي)، وفي رواية: « تَرَكَ شَهْوَتَهُ، وَطَعَامَهُ، وَشَرَابَهُ، ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي» والمراقبة: كما يقول ابن القيم: دوام علم العبد وتيقّنه باطّلاع الحقّ سبحانه وتعالى على ظاهره وباطنه « أو قال المحاسبيّ: المراقبة: دوام علم القلب بعلم الله- عزّ وجلّ- في السّكون والحركة علما لازما مقترنا بصفاء اليقين. فهي العلم بأنّ الله مطّلع على الضّمائر، عالم بالسّرائر، رقيب على أعمال العباد، قائم على كلّ نفس بما كسبت، وأنّ سرّ القلب في حقّه مكشوف.
وحث على الحرص على تحصيل واكتساب واستدامة فضيلة تهذّيب الطّباع وكبح جماح النّفس. ففي الحديث الصحيح: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يصخب فإن سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِم».
ونوه إلى أهمية الحرص على سلامة وطهارة القلب من الرذائل الوبيلة كالأحقاد والضغائن. فذلك الذي ينفع يوم الدين كما قال تعالى : {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 88، 89]، وامتدح الله تعالي الخليل فقال : {وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (، إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الصافات: 83، 84] وفي الحديث الصحيح: عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا يُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ؟، صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ «.
ولفت إلى ضرورة أخذ النفس بمبادئ الوحدة والاتحاد والألفة والتماسك بين المسلمين حتى تكون الجسدية الواحدة في حديث الصحيحين : (عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم» مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ , وَتَرَاحُمِهِمْ , وَتَعَاطُفِهِمْ ، (كَمَثَلِ) ، (رَجُلٍ وَاحِدٍ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ، تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» ورمضان خير مدرسة لهذا المعنى فهو شهر الوحدة في الشعائر ليتوحد المسلمون في المشاعر، وفي الحديث الصحيح : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى اللهُ عليه وسلَّم: (« صَوْمُكُمْ يَوْمَ تَصُومُونَ , وَفِطْرُكُمْ يَوْمَ تُفْطِرُونَ)، (وَعَرَفَةُ يَوْمَ تَعَرِّفُونَ)، (وَأَضْحَاكُمْ يَوْمَ تُضَحُّونَ».
وأوصي بدوام التحلي بخلق الصبر بأنواعه الثلاثة، مدي الحياة فيكون العبد ربانيا لا رمضانيا فرب رمضان رب سائر الشهور ويجتمع في الصوم أنواع الصبر الثلاثة. الصبر على طاعة الله، والصبر عن معاصي الله، والصبر على قضاء الله.
وأكد على أهمية ملء الوقت في الليل والنهار بالطاعات على عمومها فروضها ونوافلها، واجباتها ومستحباتها، بغية مرضاة الله فهو شهر السباق والتنافس في القربات إلى الله تعالى لعل لحظة يمن الله بها على عبده فيخرج في قائمة العتقاء من النار . في الحديث الصحيح : عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: « تَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ رَحْمَةِ اللهِ، فَإِنَّ لِلهِ نَفَحَاتٍ مِنْ رَحْمَتِهِ , يُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ» وفي رواية عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «افْعَلُوا الْخَيْرَ دَهْرَكُمْ، وَتَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ رَحْمَةِ اللَّهِ، فَإِنَّ لِلَّهِ نَفَحَاتٍ مَنْ رَحِمَتِهِ، يُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَسَلُوا اللَّهَ أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَاتِكُمْ، وَأَنْ يُؤَمِّنَ رَوْعَاتِكُمْ».
واختتم د. جعفر الطلحاوي بقول الحسن البصري «رحمه الله»: إنَّ اللَّه تَعَالَى جعلَ شهرَ رمضانَ مضمارًا لخلقه يَسْتَبِقُون فيه بطاعتهِ إلى مرضَاتهِ، فسبق قومٌ ففازُوا، وتخلَّف آخرونَ فخابُوا. فالعجَب من اللاعِبِ الضَّاحِكِ في اليومِ الذي يفوزُ فيه المحسنونَ ويخسرُ فيه المبطِلُونَ.
أبواب الخير
قال الداعية الدكتور الشيخ عايش القحطاني: دائماً ما يُطرح التساؤل حول تحقيق أفضل استفادة من شهر رمضان الفضيل، فعلى كل شخص أن يضع لنفسه جدول يناسب أوقاته، فكل منا تختلف أوقاته عن غيره، كما يجب أن يكون للأسرة جدول عبادة خاص، يتضمن التأكيد على الاستفادة من القرآن الكريم، فرمضان شهر القرآن.
وأضاف: والصيام والقرآن مرتبطان، يشفعان للعبد يوم القيامة، يقوم الصيام منعته الطعام والشراب فشفعني فيه، ويقول القرآن منعته النوم بالليل فشفعني فيه، فيشفعان، فعلى كل مسلم أن يستثمر أوقاته في قراءة القرآن.
وأكد على أهمية الاهتمام بإفطار الصائمين، فمن فطر صائماً كتب له مثل أجره لا ينقص من أجره شيء، وهي فرصة لكل مسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم كان أجود ما يكون في رمضان، فكان كالريح المرسلة بالخير.
وشدد على أن أبواب الخير كثيرة في رمضان، منها صلة الأرحام، وإن كان بينه وبين أحد ضغينة فعليه أن يبادر بالصلح، والكثير من الأحاديث دلت على أن أعمال المتخاصمين مرتبطا بتصالحهما، وأن عليهما أن يبادرا بالصلح، وأن يبادر الشخص ويكون الخير.
ولفت إلى أهمية صيام الجوارح عن الحرام، حتى المباحات يتخفف منها المسلم، حتى يستغل أوقاته، فالله سبحانه وتعالى قال عن شهر رمضان «أياماً معدودات»، فشهر رمضان تمر أيامه بسرعة، ولذلك كان السلف الصالح يسألون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، وباقي العام أن يتقبل منهم رمضان.
وقال د. عايش القحطاني: كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر فيقول: أتاكم شهر رمضان شهر مبارك، فرض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق فيه أبواب الجحيم وتصفد فيه مردة الشياطين، وفيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حُرم.
وأضاف: في شهر رمضان ليلة بأجر 83 عام وأربعة أشهر، فيمكن أن يحصل المسلم أجورها في ليلة القدر، وأن يدعو الله أن يبلغه هذه الأجور العظيمة، ورمضان شهر الخير والبركات، وعلى الجميع أن يجتهدوا فيه.
وأوصى بأن يعتقد كل مسلم بأن رمضان هو آخر رمضان في حياته، فيؤدي المطلوب منه على أكمل وجه ليفوز بأجر رمضان، وتابع: كان أحد السلف يحتضر قبل دخول رمضان، وكان يعلم قدر رمضان، فبكي، وقيل له كيف تبكي خوفاً من الموت وأنت عابد زاهد، قال ليس ذلك، وانما يدخل شهر رمضان ولا أكون من أهله، فمن يصوم عني ومن يصلي عني ومن يتصدق عني، فيعرف أن الأجور مضاعفة في هذا الشهر، ونحن نعرف الكثير من أهالينا وأصدقائنا من كانوا يصومون معنا في العام الماضي، وليسوا معنا هذا العام، فلنري الله منا ما يحب.