في ذكرى التأسيس الـ 19.. أحمد محفوظ لـ «العرب» (2-2): «الجزيرة الوثائقية» تستعد لموسم حافل في 2026

alarab
المزيد 02 يناير 2026 , 01:23ص
محمد عابد

القناة تحفظ الذاكرة الإنسانية خارج الحدود السياسية
من الحروب الصليبية إلى الربيع العربي: سردية عربية بميزان موضوعي
19 عامًا من التوثيق البصري لأحداث وشخصيات صنعت الذاكرة العربية
الفيلم الوثائقي في عصر «السوشيال ميديا» ضرورة لا ترفاً

 

أكد السيد أحمد محفوظ، مدير قناة الجزيرة الوثائقية، أن استراتيجية القناة تتركز على توسيع قاعدة جمهورها، لا سيما بين الفئات العمرية الشابة، من خلال تطوير اللغة البصرية للفيلم الوثائقي، ودمج الرقمنة كجزء عضوي من عملية الإنتاج، وليس فقط كأداة للتوزيع، مع الحفاظ على المعايير المهنية والفنية التي ميّزت القناة منذ انطلاقتها. وأوضح محفوظ، في الجزء الثاني من حواره لـ «العرب» بمناسبة ذكرى تأسيس القناة الـ 19، استمرار الاستثمار في الشراكات العربية والدولية لإنتاج أفلام معمّقة قادرة على مواكبة التحولات المتسارعة في العالم.
وقال إن القناة تواصل أداء دورها التوثيقي في حفظ اللحظات الفارقة، كاشفًا عن الانتهاء مؤخرًا من فيلم وثائقي عن المخرج المصري الكبير داوود عبدالسيد، والذي يُعد آخر مقابلة مصورة له قبل وفاته بأيام قليلة، ما يمنح العمل قيمة تاريخية وتوثيقية مضاعفة، باعتباره شهادة بصرية نادرة عن تجربته السينمائية، ورؤيته للمجتمع،والسياسة والفن.
كما كشف عن استعداد القناة لموسم حافل وبرامج متنوعة تواكب أحداثًا كبيرة ومهمة، أبرزها كأس العالم 2026م.
وإلى التفاصيل:
◆ إذا أردنا أن نطلق مشروعًا فكريًا شاملًا يقرأ ما أنتجته قناة الجزيرة الوثائقية خلال ما يقارب عقدين من الزمن، كيف يمكن توصيف هذا المشروع؟
¶ قناة الجزيرة الوثائقية لم تعد مجرد قناة تنتج وتعرض أفلامًا، بل أصبحت مشروعًا ثقافيًا كبيرًا من خلال ما قدمته من إنتاج وثائقي؛ وأقول إن أثر قناة الجزيرة الوثائقية لن يُستشعر بالكامل الآن، لكنه سيُرى على مدار العقود القادمة، لأن ما قدمته القناة هو جزء توثيقي لما حدث من تغيرات في العالم العربي، وجزء استشرافي لما سيحدث، وفي الوقت ذاته يحمل بعدًا تحليليًا لتاريخ المنطقة وتاريخ العالم العربي.
عندما تنظر، مثلًا، إلى إنتاج القناة لسلسلة عن الحروب الصليبية، ستجد أنها كانت أول عمل وثائقي يتناول هذه الحقبة من وجهة النظر العربية، ولا أقصد الانحياز الأعمى للسردية العربية، بل التوازن الموضوعي. وقد شهد على ذلك أحد مسؤولي القنوات الألمانية الكبرى التي اشترت العمل وعرضته، وهذا هو التوازن الذي نقصده، مع إدراك أن أي عمل لا يخلو من زاوية نظر. كذلك، عندما وثّقت قناة الجزيرة الوثائقية أحداث ما يُعرف بالربيع العربي، أصبحت اليوم المرجع المرئي الأهم، وربما الوحيد، الذي لا يزال يحتفظ بهذه الأحداث على أشرطة موثقة.
وعندما أعادت القناة الاعتبار لعدد كبير من المواهب والأيقونات العربية المؤثرة سياسيًا وفكريًا وثقافيًا وفنيًا ورياضيًا، فقدمتها في سياق سردي وتحليلي أعادها إلى الواجهة، وأسهم في ترسيخها كجزء من الوجدان العربي. عندما نُنتج أفلامًا عن الشاعر بدر شاكر السياب، وأم كلثوم، ومحمد عبد الوهاب، وسيد حجاب، والمغربي عبد الخالق الطريس، وغيرهم كثيرون، فإننا نستحضر شخصيات تركت بصمة عميقة في وجدان العالم العربي، ونعيد إحياء حضورها للأجيال الجديدة. كما عملنا على شخصيات تاريخية مؤثرة في التاريخ العربي المعاصر، مثل الفريق سعد الدين الشاذلي، وأحمد الشقيري، مؤسس منظمة التحرير الفلسطينية، وغيرهم كثيرون كانوا محورًا لأعمال الجزيرة الوثائقية. لذلك، إذا أراد باحث أن يُنجز دراسة عن قناة الجزيرة الوثائقية، فأعتقد أنها دراسة مهمة. هناك بالفعل رسائل ماجستير ودكتوراه تناولت القناة وتأثيرها، لكنني أرى أن هناك مستويات أخرى من التأثير تستحق البحث، مثل التأثير الإعلامي، والتأثير الفني، والتأثير السوسيولوجي، والتأثير التاريخي التوثيقي. هذا التأثير ربما لا يُدرك الآن، لكنه سيُستشعر بوضوح في المستقبل، لأن تسارع الأحداث يجعلنا أحيانًا نغفل أهمية التوثيق، بينما سيعود الناس لاحقًا إلى هذه الأعمال باعتبارها مراجع موثوقة. حتى الموضوعات البسيطة التي تناولتها الجزيرة الوثائقية كانت ذات قيمة كبيرة. لدينا، مثلًا، سلسلة «مقاهٍ عتيقة»، أحد المقاهي التي صورناها في المغرب أُزيل لاحقًا، لكن صورته ستبقى محفوظة إلى الأبد من خلال الفيلم. ومؤخرًا انتهينا من فيلم عن المخرج الكبير داوود عبدالسيد، وقررنا عرضه في يناير الجاري، وقد توفي قبل أيام قليلة. هذه كانت آخر مقابلة مصورة له، وشهادته التاريخية عن السينما والمجتمع والسياسة أصبحت محفوظة في فيلم وثائقي، وهو ما يضفي على العمل قيمة توثيقية مضاعفة. كما أنتجنا فيلمًا عن البابا شنودة الثالث، تناول شخصيته وتأثيره الديني والسياسي ودور الكنيسة الشرقية، وقد حظي هذا العمل بإشادة الإعلام المصري آنذاك. وهكذا، يمكن القول إن الجزيرة الوثائقية تحفظ الذاكرة في لحظاتها الفارقة.
 
 الإنسان.. لا الأيديولوجيا
◆ إلى أي مدى تعتمدون منهجًا في الإنتاج لا يخضع لأيديولوجيات سياسية أو دينية؟
¶ السياسة حاضرة في العمل الوثائقي بحكم أن محور الفيلم غالبًا هو الإنسان، والإنسان بطبيعته يحتك بالمجتمع وبالسياسة وبمحيطه. لكننا في الجزيرة الوثائقية لا نتعامل مع الأفلام من مدخل سياسي، بل من مدخل إنساني. 
على سبيل المثال، في أحداث غزة الأخيرة، القنوات الإخبارية تهتم بالخبر والعاجل والمتابعة اليومية والتحليل السياسي. أما نحن، فندخل من زاوية أخرى: نسأل لماذا حدث ما حدث، وما تأثيره على الإنسان الفلسطيني، ونوثق الحدث تاريخيًا من خلال قصص إنسانية موازية للخبر.
فالفيلم الوثائقي، إذا صُنع جيدًا، يتميز بطول بقائه وتأثيره مقارنة بالخبر العابر؛ فالخبر يأتي ويرحل، بينما يبقى الفيلم الوثائقي أثرًا ممتدًا في الذاكرة.

◆ وما المعايير التي تعتمدونها في اختيار الأفلام، سواء التي تنتجونها أو تدعمونها أو تشترونها للعرض؟
¶ المعايير واحدة في كل الحالات. أولًا، أن يكون العمل معمّقًا، والمعنى هنا ليس التعالي على المشاهد، بل أن يكون قائمًا على مصادر موثوقة وبحث جاد وقيم. ثانيًا، الاطمئنان إلى طريقة الإنتاج بصريًا وفنيًا، سواء مع شركة منتجة أو مخرج فرد.
ثالثًا، أن يحقق العمل معايير قناة الجزيرة الوثائقية من حيث العمق، والإمتاع، واحتوائه على مفردات من الثقافة العربية، واحترامه للغة السينمائية.
إلى جانب ذلك، هناك عامل إداري يتعلق بضرورة التجديد في الأفكار وتلبية احتياجات الشاشة في كل مرحلة. 
 
◆ إلى أي مدى تعتبرون قناة الجزيرة الوثائقية مشروعًا لحفظ الذاكرة الإنسانية، خاصة للشعوب التي لا تملك من يروي تاريخها؟
¶ هذا أحد المحاور الأساسية التي أسهمت في تشكيل رؤية الجزيرة الوثائقية، فقد كسرت، إن جاز التعبير، الحدود الجيوسياسية، وتعاملت بدلًا من ذلك مع الحدود الثقافية. كنا نؤمن، وما زلنا، بأن السياسة متغيرة، بينما الثقافة أكثر تجذرًا وثباتًا.
 ومن هذا المنطلق، دخلت القناة إلى مجتمعات ودول كثيرة، حتى في حالات الإغلاق السياسي، لأنها كانت تدخل من الباب الثقافي. نحن نحتفي بالثقافات، ونحاول حفظها وتقديمها للناس. دخلنا إلى مجتمعات الأمازيغ، والطوارق، والبدو، والنوبيين، والغجر، وغيرها من المكونات الثقافية، لكسر الصور النمطية السائدة، وتعريف المشاهد بهذا النسيج الإنساني الغني. بالطبع، يرافق ذلك تحديات، خاصة في قضايا مثل فلسطين وغزة. خلال السنوات الأخيرة، واجهنا تضييقًا كبيرًا وصعوبة في التواصل مع زملائنا داخل غزة، لكننا حرصنا على أن تبقى السردية الفلسطينية حاضرة عبر أعمال وأشكال مختلفة. 

◆ إلى أي مدى أسهمت الشراكات العربية والأجنبية في تطوير المنتج الوثائقي؟ وكيف تتعاملون مع تضارب السرديات دون الوقوع في فخ الأيديولوجيا؟
¶ من المبادئ الأساسية في شبكة الجزيرة الإعلامية الالتزام بالموضوعية، وإتاحة الرأي والرأي الآخر. نحن نطبق هذا المبدأ في الأفلام الوثائقية كما نطبقه في الأخبار. 

◆ عند انتاج عمل عن شخصية مثل الفريق سعد الدين الشاذلي، نجد روايات مختلفة ومتعارضة حول الشخصية فكيف تتعاملون مع هذا التحدي؟
¶ هنا يأتي دور البحث المعمق، والاعتماد على باحثين متخصصين، سواء في التاريخ أو الاستراتيجية، لتقديم رواية موثقة قدر الإمكان، مع الإقرار بوجود روايات أخرى. الاختلاف في السرديات سيبقى قائمًا، كما هو الحال في كتابة التاريخ عمومًا، لكن المهم أن يستند العمل إلى بحث جاد وقوي.

◆ في ظل السوشيال ميديا والتوثيق اللحظي بالهاتف، هل ما زال للفيلم الوثائقي دوره؟
¶ بل أصبح الفيلم الوثائقي أكثر أهمية. ما يحدث على السوشيال ميديا هو تسجيل للحظات، وليس توثيقًا. التوثيق يحتاج إلى سردية، وقصة، ورؤية إبداعية. هنا يأتي دور الفيلم الوثائقي، ودور قناة الجزيرة الوثائقية سيظل قائمًا ومهمًا.

◆ أخيرًا، إلى أين تتجه القناة في المرحلة المقبلة؟ وما استعدادكم للعام الجديد؟
¶ التحدي الأكبر الآن هو الوصول إلى جمهور جديد، خاصة من الفئات العمرية الشابة، في ظل التحولات الرقمية المتسارعة.  وبخصوص العام الجديد 2026، فسوف يشهد أحداثًا مهمة، من بينها رمضان المقبل، وكأس العالم 2026، إضافة إلى التحضير للاحتفاء بمرور 30 عامًا على شبكة الجزيرة الإعلامية، وبالتالي سنواكب هذه المناسبات جميعًا.