د. علي عفيفي علي غازي في قراءة نقدية لـ «الرواية».. عائشة الخليفي.. الاغتراب داخل الجسد في «غربة الروح»

alarab
ثقافة وفنون 01 يونيو 2022 , 12:45ص
الدوحة - العرب

الرواية النسائية، مصطلح يثير الكثير من الإشكاليات، التي تجعل بعض النقاد لا يقبلونه، بحجة أن الأدب في أساسه اللغة وقوة التخيل، فمن عرف كيف يتحكم فيهما ويصوغ منهما بنية أدبية مبتكرة، استحق لقب الراوي أيا كان جنسه، أو القضية التي يتناولها. وإذا كانت رواية «زينب» لمحمد حسين هيكل (1888-1956)، الصادرة في سنة 1935، أول رواية عربية، ورواية «أروى بنت الخطوب» لوداد سكاكيني (1913-2001)، الصادرة سنة 1949، أول رواية عربية نسائية؛ فإن رواية السعودية سميرة خاشقجي (1935-1986) «بنت الجزيرة»، الصادرة في عام 1958، أول رواية نسوية خليجية، كذلك كانت رواية «العبور إلى الحقيقة» للكاتبة شعاع خليفة، الصادرة في عام 1993، أول رواية نسوية قطرية. ومع التطورات المتسارعة في الخليج العربي، بعد تدفق النفط، ونشوء الدول الحديثة، وما انعكست به تلك التطورات على بنية المجتمع، الذي انتقل من الفريج والبادية والغوص إلى المدينة بما فيها من صخب وازدحام، ومغريات الانفاق، وإشباع الرغبات، وانغماس الشباب في الأسفار، وتعليم المرأة ودخولها ميدان العمل، واتساع هامش الحرية لها، فانفتحت أمامها آفاق أرحب، فحاولت أن تُخرج مكنونات نفسها، فكانت الرواية هي أداة تعبيرها عن حكاياتها، وعالجت فيها قضاياها، أو من خلال السرد الذاتي للشخصية المتخيلة بطلة الرواية، وهذا ما يُلحظ من الكلمة الأولى في رواية «غربة الروح»، للروائية عائشة الخليفي، الصادرة في عام 2020؛ إذ يبدو فيها السرد على لسان الراوي؛ بما يوحي بأنه قد يكون سردًا للذات.
يبدو أن اغتراب الإنسان كثيرًا عن وطنه، يخلق داخله شعورًا بالغُربة، غربة الجسد، والروح؛ بل قد تمتد هذه الغربة لتشمل الحياة الدنيا، فما «هذه السنوات إلا لحظة من حياة أزلية أبدية». وترى الكاتبة في الغربة فرصة للتعرف على النفس بشكلٍ أفضل، وللتقارب الروحي والمعنوي؛ فالروح تصبح مسافرة، وقد يشعر الإنسان بالغربة، وهو في بيته، وبين أهله، مفتقدًا للدفء الأسري، فنرحل وترحل معنا قلوبنا، فغيابنا مشترك كغربة الروح، يا لوحة الغياب في البيت الكبير، وفراغه البائس المخيف، الذي تحول من الزمن الجميل إلى الزمن القاسي، ورغم الغربة يبقى الوطن حاضرًا، فلن يتخلى المرء بسهولة عن وطنه في ذاكرته.
إنها الغربة القاسية الموجعة، غربة الروح، التي تجعل البطلة ترسم وطنًا خاصًا بها بالألوان السحرية، وتملأ أحلامها بما لم تره عيناها، فهي غريبة عن ذاتها، جسدها، قلبها، روحها، أهلها، الناس، الدنيا، والوجود، تشعر بالوحدة، وتبقى محجوبة بالصمت والسكوت، تبحث عن صدرٍ حنونٍ، يعرفها فيسمعها، ولا تزال تتمسك بالأمل، فالإنسان باعتباره الكائن الأقوى على وجه الأرض يعيش على الأمل، ويتمنى، كبطلة الرواية، أن يبوح بما في قلبه.
يبدو، من الفقرة الأولى في الرواية، تأثر الكاتبة بالغُربة، فقد ربطت أحزمة الطائرة، ومعها ترابطت أشتات نفسها المهاجرة إلى الغياب، بل إن نوف، بطلة الرواية، تشعر بالغربة في بيتها، مدرستها، رسوماتها لوحاتها، وتترجم غربتها المكتبوتة، فلوحتها «غربة الروح»، لوجه امرأة يثير الغرابة، فالهوايات صديقة للإنسان في اغترابه عن عالمه ومجتمعه، ومهربًا من الوحدة القاتلة، ومضيعة الوقت بأمور سلبية. يمتد الاغتراب إلى عالم الأحلام والكوابيس، فالبطلة في كابوسها تُسافر إلى جهة مجهولة، بمفردها في طائرة، يحيط بها الغموض، وتسقط في البحر المظلم، وتمتد الغربة إلى غربة داخل الغربة، ففي بيروت تسكن بطلة الرواية في بيت مغترب عن المدينة، في منطقة هادئة جدًا، بالكاد يسمع فيها صوت البشر، بل امتدت الغربة لاغتراب اللوحات الصامتة، التي تتضمن خبايا الشعور بالوحدة، المتربعة على كبد المأساة، «فلا شيء أكبر من سعادة الإنسان بين أهله، تحت سقف منزل الرحمة والمودة»، «ففي الغربة تختفي أنسجة الأمان، في طيات تجاعيد الزمن، أما إذا ما وجدنا الصديق والرفيق، الذي يُزيل الهم، فإن الغربة تُصبح الكنز الأكبر.
تُعالج الرواية نظرة المجتمع للمطلقة والعانس، والاعتبارات الاجتماعية المزيفة، والطبقية المجتمعية، والتي تُلقي بظلالها على قواعد وأسس الزواج، فالزوج من الأسرة يؤمن العيشة الراقية، بلا مشاعر، ولا أحاسيس، تحت مسمى الأعراف والعادات والتقاليد، التي تنتصر على عاطفة الحب، وعلاقة الأم بابنتها، والتي يختصر حضورها كل سنوات الغياب بقبلة ولحظتين، فهي كل الهدايا، والأشياء الجميلة في الحياة، ودور الخادمة، بلسم الآلام، والصاحبة المخلصة، الرحومة في الخطأ، الصبورة في الطفولة، الرؤوفة في الضعف، الخبيرة بالعواطف، المستمعة الجيدة، فالقلب حين يألف شخصًا ما يتخذه خليلا، حتى وإن كان قادمًا من غياهب المجهول، ودور الأب في حياة ابنته، فهو السند الذي يقيها من السقوط، «إن أبي فعل كل شيء، ولم يبق للآخرين ما يقدمونه لي»، فالمرأة كما تذهب الروائية «تحتاج لحزام أمان يرافقها في هذه الدنيا؛ ليقيها السقوط من جرف مواقف الحياة»، ولأنه منشغل عنها بشركاته وعقاراته، ولا يسأل عنها إلا لدقائق معدودة بالهاتف، فقد كانت تفقد «فردوس المحبة الأعلى عن قدسية علاقة الفتاة بوالدها، فكل فتاة بأبيها معجبة»، ففرحة المادة لا تضارع فرحة المعنويات والأمان، فالحب الصادق لا يُشترى بالمال.
لغة الرواية جزلة، تتسم بالسجع والتقفية أحيانًا، مفردات منتقاة بعناية فائقة، تعبر عن المعنى المقصود بدقة تامة، كما أن التشبيهات والاستعارات ذات دلالات معنوية معبرة، فالشمس بأشعتها تمثل صدر الأم الدافئ في العطف والحنان للنبات، وقبل أن تقرأ الرواية سيؤكد لك الغلاف الأخير أنها ليست خيالا؛ بل هي منبر حياة، مرت بها بطلة الرواية، بكل أبعادها، فجسدت الألم والمعاناة والغربة والانتصار، وستكون الحكمة المستفادة أن المرأة لا تنكسر، مهما كثرت معاول الغادرين؛ بل تصنع من انكسارها قارب نجاة تعبر به كل الأنهر الجافة؛ لتصل إلى بر الأمان مقبلة على الحياة بابتسامتين.